الشريف المرتضى

389

الذخيرة في علم الكلام

ولا أدري كيف اشتبه على المحصّلين هذا الموضع ، لأنه لا خلاف في أن حركة الشمس لو جوّزنا تغيّرها بفعل بعض البشر الذين نجوز عليهم فعل القبيح لما أثبتنا هذا التغيير « 1 » معجزا ، فأيّ فرق بين البشر والملائكة مع تجويز القبيح من الجميع ؟ ومما اعتمدوا عليه في دفع سؤال الجنّ : ان هذا الطعن وان قدح في اعجاز القرآن قدح في سائر المعجزات . والجواب عن ذلك : أن المعجزات على ضربين : ضرب يوصف القديم تعالى بالقدرة عليه نحو احياء الميت ، وابراء الأكمه والأبرص ، واختراع الأجسام . وهذا الوجه لا يمكن الاعتراض فيه بالجنّ والملائكة لخروجه عن مقدور كل محدث . والضرب الثاني من المعجزات ما دخل جنسه تحت مقدور البشر . وهذا الوجه انما يدل إذا علم أن القدر الواقع منه أو الوجه الذي وقع عليه لا يتمكن أحد من المحدثين منه ، وإذا لا يعلم هذا فلا دليل فيه . فإذا قيل : وما الطريق إلى العلم بأنه ليس في امكان جميع المحدثين . قلنا : غير ممتنع أن يخبرنا اللّه تعالى على لسان رسول يؤيده بمعجزة ، ويختصّ تعالى بالقدرة عليها ، ويعلمنا أن عادة الجن أو الملائكة مساوية لعادتنا ، وانما يتعذر علينا ما يتعذر عليهم « 2 » ، فمتى ظهر أمر يخرق عادتنا علمنا أن ذلك معجز لعلمنا بمشاركة الملائكة والجنّ لنا . فإذا قيل : ما تنكرون من أن يكون اللّه تعالى أجرى عادة الجن أن يحيي الميّت عند أدنى جسم له صفة مخصوصة إليه ، كما أجرى العادة بحركة الحديد عند تقربه من الحجر المقناطيس ، وإذا جوّزنا ذلك لم يكن في ظهور احياء

--> ( 1 ) في ه « هذا التعجيز » . ( 2 ) في النسختين « يتعذر عليهم » .